اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
المركز الثقافي الإسلامي
جدد ايمانك
الـدعــاء المـستجـاب

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ ))                                                                      

 

  *** الـتوجيهـات ***

    الدعاء سلاح المؤمن ، حيث يلتجئ إلى ربه سبحانه متضرعاً ، ويدعوه بقلب خاشع فيستجيب الله دعاءه ويقبل رجاءه ، بفضله وكرمه عز وجل .         

   وقد جاء في رواية أخرى لهذا الحديث عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( القلوب أوعية ، وبعضها أوعى من بعض ، فإذا سألتم الله عز وجل يا أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة ، فإن الله لا يستجيب لعبٍد دعاهُ عن ظهر قلبٍ غافلٍ )                                                                .

    ومن تكاسل عن الدعاء أو تهاون في شأنه فقد خسر خسراناً مبيناً ، لأنه ترك الالتجاء إلى القوي القادر والمعين الناصر سبحانه وتعالى .                                                                  

   وقد أمرنا الله سبحانه بالدعاء ووعدنا بالإجابة ، فقال عز وجل { وقال ربكمُ ادعوني أستجب لكم إن الذينَ يستَكبِرونَ عَن عبادتيِ سيدخلونَ جهنمَ داخرينَ } .                                             

    ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم :( الدعاء هو العبادة ) وقال أيضاً : (أعجز الناس مَن عجز عن الدعاء ) فهل يعجز العبد المفتقر إلى مولاه القادر أن يرفع يديه بالدعاء متذللاً خاشعاً لله عز وجل                                                                                                     

   وكيف يعجز عن ذلك وهو يعلم أن الدعاء سهل ميسور ؟ وان الدعاء الصادق تفتح له أبواب الإجابة ، وأن المولى العليم الحكيم إما أن يحقق للداعي ما يطلب أو يصرف عنه من السوء مثله ، أو يدخر له الأجر يوم القيامة ، إذا تحقق بآداب الدعاء وأهمها خشوع القلب .                                                                                            

  

 عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوةٍ إلا آتاه الله إياها ، أو صرف عنه من السوء مثلَها ، ما لم يدعُ بإثم ، أو قطيعة رحم ) فقال رجل من القوم : إذاً نكثر ، قال : ( الله أكثر ) .                                                                                             

   وفي رواية : ( أو يدَّخر له من الأجر مثلها ).

   ومعنى ( الله أكثر ) أي : أكثر إحساناً ممَّا تطلبون ، وأكثر إجابة من دعائكم الذي تدعون ، وفضله وعطاؤه أكثر سبحانه وتعالى .

 

   فما أعظم فضل المولى سبحانه ، وجزيل عطائه ، ورحمته بعباده ، وإحسانه إليهم إذا استجابوا لطاعته وتقرَّبوا إليه بالدعاء والتضرع .

   وما أسوأ صنيع من يتعلَّق قلبه بسؤال الناس والتذلل إليهم ، ويغفل عن سؤال الله عز وجل .

   قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله :

   ( إن في سؤال الله عبودية عظيمة ، لأنها إظهارٌ للافتقار إليه ، واعترافٌ بقدرته على قضاء الحوائج ، وفي سؤال المخلوق ظلم ، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها ، فكيف يقدر على ذلك لغيره ؟

   فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك الغني القادر ؟ إن هذا لأعجب العجب ، والله عز وجل يحب أن يُسأل ، ويغضب على من لا يسأله ، فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه ، ويحب الملحَّين في الدعاء ، والمخلوق يكره أن يسأل لفقره وعجزه .

   قال ابن السماك : لا تسأل من يفرُّ منك ، واسأل من أمرك أنْ تسألَه .

   وقال أبو العتاهية : 

الله يغضب إن تركت سؤاله                 وبُنيَّ آدم حين يُسأل يغضب

فاجعل سؤالك للإله فإنما                    في فضل نعمةِ ربنا نتقلِّب

 

   فأيُّ وقتٍ دعاه العبد وجدهُ سميعاً قريباً مجيباً ، ليس بينه وبينه حجاب ولا بوَّاب ، وأما المخلوق فإنه يمتنع بالحجاب والأبواب ، ويعسُر الوصول إليه في أغلب الأوقات وقد سأل رجلٌ بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إلى بعض المخلوقين ، فقال له : أنا لا أتركُ باباً مفتوحاً ، وأذهب إلى باب مُغلق .

   وسأل رجلٌ ثابتاً البناني أن يشفع له إلى أحد القضاة في قضاء حاجة له ، فقام ثابت معه ، فكان كلما مرَّ بمسجد في طريقه دخل فصلى فيه ودعا ، فما وصل إلى مجلس القاضي إلا وقد غادره فلم يجده ، فعاتبه صاحب الحاجة في ذلك ، فقال : ما كنتُ إلا في حاجتك ، فقضى الله حاجته دون الحاجة إلى القاضي ) .

    وقد قال الشاعر :

وإني لأدعو الله والأمرُ ضيق ٌ                 عليَّ فما ينفكُّ أن يتفرَّجا

ورُبَّ فتى سُدَّتْ عليه وجوهُهُ                  أصابَ له في دعوة الله مَخرجا

 

   ولكن الناس اليوم تهاونوا في شأن الدعاء ، لأن قلوبهم غافلة ، ونفوسهم متعلقة بغير الله عز وجل ، فلا يجد أحدهم الخشوع في دعائه إلا نادراً ، وإذا رفع أحدهم يديه بالدعاء لم يتذوق حلاوته ، ولم يستشعر لذة مناجاته لربه ، فيبقى دعاؤه كلمات ينطقها باللسان مع الغفلة وعدم حضور القلب .

   ولو أنه جاهد نفسه ، وسارع إلى التوبة من ذنوبه ، لوجد ثمرة ذلك في لين قلبه واستيقاظه من غفلته ، ولوجد في الذكر والدعاء خشوعاً ودموعاً ، وغذاء لروحه ، ودواءً لجروحه ، وشفاء لأسقامه وهمومه .

   { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنّىِ فَإِنّئِ قَرِيبُ أٌجِيبُ دَعوَةَ اُلدَّاِع إِذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُواْ لىِ وَليُؤمِنُواْ بىِ لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ } .

 

من كتاب بدائع التوجيهات النبوية

م. سناء سبع العيش