المركز الثقافي الإسلامي
 
الزاوية المنوعة -   ** ربيع بلا انتهاء للطالبة تقى عمر المومني **
2012-05-12
                           كماً زاخراً من الطاقة والفكر وسعة الخيال وجمال العبارة وزخم الأفكار.
"كما وصفتها المعلمة الفاضلة خلود المومني"
بمجموعتها القصصية الأولى" ربيع بلا انتهاء " تشق تقى وهي طالبة في الصف الأول الثانوي طريقها في مجال الكتابة الإبداعية بثقة وهي تعرف أدواتها جيدأ،البساطة والقدرة على الإقناع والصدق.
" الصحفية كريمان الكيالي "
 
ما دمت متأملة
        ها أنا ، خرجت لتوي من صفي، لا صديقات لي ولا زميلات مثل ما أرغبُ.
       جلستُ بعد انتهاءِ الدوام المدرسي الرسمي في ساحةِ المدرسةِ، أتأملُ شهادتي وأقول في نفسي: كيفَ لي أن أذهبَ إلى البيتِ بهذه الاكمالاتِ؟!...كلها اكمالاتٌ... لا انتظري هنالك واحدةٌ أجل... أجل وهذه أخرى، ولكن ما الفرق ما دامت الاكمالاتُ  قد غلبت على النجاح لدي.
     كنتُ غالباً ما أمر من طريق (سوق البلد) لمنزلي؛ فقد كنت استمتعُ بمنظرِ الناسِ المتسوقينَ والبضائعَ أحياناً، و كانت أمي تنزعج من تأخري هذا؛ إذ أنني أتأخرُ قليلاً في العودةِ للبيتِ مقارنة بزميلاتي!
     في ذلك اليوم كنت أجري بسرعة؛ حتى لا تشكَ أمي في الأمر، ولكن ما هذه التغييراتُ؟!؛  فالأرضُ الجرداءُ هنا بمحاذاتي يبنونَ عليها مبنى جميلاً، يا الله لقد تأخرت كثيرا عن المنزل...     
       حين دخلت كانت أمي غاضبة لتأخري، ولكنّ غضبها لم يكن سوى ربع الغضب الذي سيكون بعدَ أن ترى شهادتي، أمي دائماً غاضبةٌ مني بسبب علاماتي المتدنية وتصرفاتي السيئة.
     لم  أجرؤ على سلوكِ ذلك الطريقِ لمدةِ أسبوعٍ؛ فبعد أسبوع عادت ثقتي بنفسي، فعدتُ أسلكُ نفسَ الشارعِ، و كانَ حينها البناء قد تغيرَ، ثمَّ أصبح البناءُ سوراً...  ثمَّ رأيت تلك (النافورة)... ثم المدرج...  و لكنني إذا صعدت الدرجَ رأيتُ الألعابَ ، لم تكن بناية جديدة كما تصوّرتُ، بل كان تغييرا عملته سلطةُ العقبة الاقتصادية الخاصة على المنتزه الجميل ليصبح أكثر جمالاً...
     صرتُ أذهبُ كلَّ يومٍ للدراسةِ فيهِ وقد بدأت علاماتي فعلاً بالتحسن؛ فقد كنت استمتعُ بمنظرِ الورودِ والأشجارِ والماءِ والأطفالِ،  وطبعاً تلكَ المكتبةُ التي كلما أردت كتابة بحث أتوجه إليها.
     لم تعد أمي تغضب مني بسبب علاماتي، أما بالنسبةِ لصديقاتي فقد خططنا للذهاب إلى المكتبةِ لقراءةِ كتبٍ تحمسنا على البقاءِ صديقاتٍ...
    هذه كانت البدايةُ فقط...
 
على الرصيفِ

   يتسللُ ضوء صباح جديد ليغمرَ كل من يحس به بدفءٍ ينمُّ عن أمان ، تتفقس بيوض صغيرة وضعت في عش بُنِيَ من قشٍ و حنانٍ على شجرة أجاص يحتلُّ النوّار أكبر جزء منها ، تتفتح الزهور النضرة متناثرةً على مد البصر في السهول و في الجبال بألوان قوس قزح المريحة...
   كل هذا أعطى للأرض إلهامًا لتُحدّثَ جارتها (الزُهرة) عن حدثٍ كان فيما مضى حديث الناس و الصحف...
و كعادتها (الزُهرة) تحبُ هي الأخرى (طق الحنك).
    بدأت الأرض تقُصُّ حكايتها على الزهرة - التي بدت في قمة الإنصات - " في اليوم الذي يسبق يوم العيد، كان بشار ابن الثلاثة عشر عاما عائدا من مدرسته القريبة من البيت ماشيا على أقدامه، وكان عليه قطع الشارع المزدحم بالسيارات و الناس الذين يحاولون العبور، والذي كان يفصل بينه و بين بيته.
    كان يشعر بعطش شديد قبل خروجه من المدرسة، و لكنَّه الآن صار يشعر و كأن حلقه أصبح قطعة من حطب.
  آه ... ليس ذنبي أن مدرستي تقع على شارع رئيسي... قال في نفسه، كان هذا قبل أن يرى امرأة عجوزا أنسته شعوره بالعطش؛ حيث أنها استحوذت على شفقته و تفكيره معا...
    كانت تقف على الرصيف المقابل له مع الكثير من الناس ، و ليس هنالك من يكلف نفسه عناء مساعدتها.
    أراد بشار مساعدتها، وما إن قطع الشارع ، ووصل إلى الرصيف الذي كانت تقف عليه حتى كانت قد اختفت عن أنظاره، بحث عنها ببصره و لم يجدها؛ فقال في نفسه: لعل أحدًا ما قام بمساعدتها، أو لعلها استطاعت العبور وحدها دون مساعدة أحد.
    على أيّ حال كان سيعبر الشارع للوصول لهذا الرصيف؛ حتى يصل الى بيته الذي بات قريباً جداً. عند وصوله سألته أمه عن سبب تأخره ..... فرد قائلاً :
- لولا تدخل شرطة السير لما تمكنت من الوصول إلى الآن... أنا لم أرَ في حياتي مثل هذا الازدحام !
- سوف تعتاد عليه؛ نحن نعيش في مدينة تكبر يوما بعد يوم و تزداد ازدحاما، أنسيت؟! ثم قالت (محاولة تغيير الموضوع) سوف أخرج أنا و والدك و إخوتك للسوق لشراء حلوى العيد،  بدّل ثيابك لتأتي معنا.
- سوف أستحم أولا؛ إنني أتصبب عرقا.
- الجو حار اليوم...
- لا يا أمي، الجو حار كل يوم في العقبة، و لكنه (حارق) اليوم... أتساءل عن أجواء مدينة جرش الآن، ليتنا لم ننتقل للعيش هنا؛ كم أشتاق لأصدقائي...
لكنَّ أمه لم تعر كلامه انتباهاً وتحديدا جملته الأخيرة.
    كان هذا آخر يوم من أيام شهر رمضان المبارك، و هو اليوم الوحيد - خلال هذا الشهر- الذي لم يأخذ فيه بشار (قيلولة الظهيرة)؛ و ذلك لضيق الوقت؛ فعند عودتهم من السوق كان على الأم تحضير الفطور، و على الأب و الأبناء المساعدة في تنظيف و ترتيب البيت استعدادا لاستقبال الأقارب و الأصحاب غدا... "
   فجأةً قاطعت الزهرة الأرض قائلة : أنا أحسدُكِ لأنك لا تَملينَ أبدا...
- و كيف أمِلُّ؟!؛ و كل هؤلاء الناس فوق ظهري، وعند كل واحد منهم العديد من القصص!!
- اعذريني على مقاطعتك، تابعي و سأحاول ألا أقاطعك مرة أخرى...
تابعت الأرض حديثها غير مكترثة لاعتذار الزهرة .........
-  " في يوم العيد خرج بشار مع أخته الصغيرة من البيت، حتى منتصف الطريق، حيث أوصلها الى بيت صديقتها الجديدة (حلا).
سخر من نفسه؛ فأخته التي تصغره بعامين كوَّنت لنفسها عدة صداقات، فيما لم يفلح هو في كسب صديق واحد جديد...
    رآها مرة أخرى... إنها نفس العجوز التي رآها البارحة في طريق عودته من المدرسة، تقف على نفس الرصيف، تقدَّم نحوها ، ووقف أمامها دون أن ينطقَ بكلمة ، كان الشارع مليئاً بالناس، و لكنه لم يكن مزدحما كما كان البارحة.
بادرت بسؤاله: هل تعرفني ؟
-  لا...
- (بكل ثقة) بلى تعرفني ، أو لنقل أنك تحاول أن يحصل ذلك؛ لقد رأيتك البارحة...
قال: (و قد فهم قصدها) كنت أريد أن أساعدك في عبور الشارع، و لكنك اختفيت فجأة عن أنظاري...
- (تضحك) و هل أبدو ضعيفة الى هذا الحد؟
ضحك بشار و لم يعرف بماذا يجيب، حتى قالت له: أشكرك يا بني.
- عفوا...
- أظنك ذاهباً في زيارة ؟
- لا؛ أوصلت أختي فقط، و أنا في طريق عودتي للبيت الآن. إذا أردت تفضلي و زورينا...
- (تضحك) أنا لم أعرف اسمك حتى! أليس لديك أصدقاء؟
ظهرت على وجهه معالم الحزن رغماً عنه حينها :
- و لا حتى صديق واحد...
- أعتقد أننا سنصبح أصدقاء...
    تمشيا معا في شوارع العقبة، و حدَّثها عن نفسه، و حدثته عن نفسها و عن أولادها...
     كانت تعرف الكثير من الأماكن الجميلة في هذه المدينة، حكت لبشار عنها في أثناء سيرهما، إلاَّ أنَّ بشار لم يحدّثها عن أي منطقة من المناطق الجميلة التي يعرفها في جرش.
   عرف منها أيضا أنها تقطن في إحدى الشقق في (عمارة) مقابلة (للعمارة) التي يقطنها هو و عائلته، و أنها تعرفه منذ أن رحلوا الى هنا؛ حيث أنها كانت تراه كل يوم ذاهبا للمدرسة، و عائدا منها.
- مع من تسكنين يا خالة ؟
- وحدي
   جوابها كان سريعاً لكنه شعر بنغمة الحزن التي غلَّفت صوتها حين أجابت، فقال بسرعة محاولاً الخروج من هذا الموقف المحرج:
لا أريد أن أربكك و أعطل مواعيدك؛ فاليوم عيد، و الوقت ضيق.
- ليس عندي مواعيد.
- إذا أنت تعيشين وحدك في هذه المدينة...
- كلا؛ فأولادي يعيشون هنا أيضا.
    حدَّق فيها مستغربا. فهمت سبب استغرابه فسألته : أتعرف ما هو برّ الوالدين؟ لم تنتظر إجابة منه و تابعت: لا شك أنك تعرفه؛ فموقفك معي يدل على ذلك ، لكن هل سمعت بعقوق الوالدين؟...تهدَّج صوتها قبل أن تصمت سارحة بأفكارها...........  تذكرت بحزن والدتها ، لكنها تابعت كلامها: كان عندي أم لا مثيل لها، ولكني لم أكن أبرُّها، و بعد زواجي لم أزرها الا عندما اشتد مرضها الذي ماتت فيه. و أنا الآن أرى أولادي يعاملونني كما عاملت أمي... "
عندها سألت الزهرة الأرض بلهفة:  و ماذا حصل بعد ذلك؟               
كل من يسير فوقي يعرف ماذا سيحصل...( تمتمت الأرض هامسةً )
    نظرت الأرضُ مبتسمة إلى إحدى النيازك المقتربة من الزهرة وقالت : إن كل من يسير فوقي يعلم أن ما يفعله الابن مع والده يلقى مثله من أبنائه.
و تابعت حديثها للزهرة: أعتقد أنك ستنشغلين عني بزائر صغير ...
    لقد صدقت الأرض حين قالت: كان في ما مضى حديث الناس و الصحف، و لكنه ما زال  إلى الآن كذلك !...
 
تصميم مركز الحاسوب - موقع الجامعة الأردنية