المركز الثقافي الإسلامي
 
سيرة المصطفى -   (( دروس من الهجرة النبوية ))
2009-04-05

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم , وبعد:
لقد بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بدعوة تملأ القلوب نوراً , وتشرف بها العقول رشداً . وبقيت تلك الدعوة على شيء من الخفاء , وكفار قريش لا يلقون لها بالاً , فلما صدع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أغاظ المشركين , وحفزهم على مناوأة الدعوة والصد عن سبيلها , فوجدوا في أيديهم وسيلة هي أن يفتنوا المؤمنين , ويسومونهم سوء العذاب , حتى يعودوا إلى ظلمات الشرك , وحتى يرهبوا غيرهم ممن تحدثهم نفوسهم بالدخول في دين القيمة .
ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقاسيه أصحابه من البلاء , وليس في استطاعته حينئذ حمايتهم , أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة , ثم إلى المدينة , ثم لحق بهم في المدينة .
والناظر في الهجرة النبوية يلحظ فيها حكماً باهرة , ويستفيد دروساً عظيمة , ويستخلص فوائد جمة يفيد منها الأفراد , وتفيد منها الأمة بعامة . فمن ذلك على سبيل الإجمال ما يلي :
• ضرورة الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله :
ويتجلى ذلك من خلال استبقاء النبي صلى الله عليه وسلم لعلي وأبي بكر معه , حيث لم يهاجرا إلى المدينة مع المسلمين , فعلي رضي الله عنه بات في فراش النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه صحبه ف الرحلة .
ويتجلى كذلك في استعانته بعبد الله بن أريقط الليثي وكان خبيراًَ ماهراً بالطريق .
ويتجلى كذلك في كتم أسرار مسيره إلا من لهم صلة ماسة , ومع ذلك فلم يتوسع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم , ومع أخذه بتلك الأسباب وغيرها لم يكن ملتفتاً إليها بل كان قلبه مطوياً على التوكل على الله عز وجل .
• الاعتدال حال السراء والضراء :
فيوم خرج عليه الصلاة والسلام من مكة مكرهاً لم يخنع , ولم يفقد ثقته بربه , ولما فتح الله عليه ما فتح وأقر عينه بعز الإسلام وظهور المسلمين لم يطش زهواً , ولم يتعاظم تيهاًَ , فعيشته يوم أخرج من مكة كارهاً كعيشته يوم دخلها فاتحاً ظافراَ , وعيشته يوم كان في مكة يلاقي الأذى من سفهاء الأحلام كعيشته يوم أطلت رايته البلاد العربية , وأطلت على ممالك قيصر ناحية تبوك .
• اليقين بأن العاقبة للتقوى وللمتقين :
فالذي ينظر في الهجرة بادئ الرأي يظن أن الدعوة إلى زوال واضمحلال .
ولكن الهجرة في حقيقتها تعطي درساً واضحاً في أن العاقبة للتقوى وللمتقين . فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم بسيرته المجاهد في سبيل الله الحق أن يثبت في وجه أشياع الباطل , ولا يهن في دفاعهم وتقويم عوجهم , ولا يهوله أن تقبل الأيام عليهم , فيشتد بأسهم , ويجلبوا بخيلهم ورجالهم , فقد يكون للباطل جولة , ولأشياعه صولة , أما العاقبة فإنما هي للذين صبروا والذين هم مصلحون .
• ثبات أهل الإيمان في المواقف الحرجة :
      وذلك لما قال أبو بكر : والله يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موقع قدمه لأبصرنا .فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم مطمئناً له : " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " .
فهذا مثل من أمثلة الصدق والثبات , والثقة بالله , والاتكال عليه عند الشدائد , واليقين بأن الله لن يتخلى عنه في تلك الساعات الحرجة .
• من حفظ الله حفظه الله :
    ويؤخذ هذا المعنى من حال النبي صلى الله عليه وسلم لما ائتمر به زعماء قريش ليعتقلوه , أو يقتلوه , أو يخرجوه , فأنجاه الله منهم بعد أن حثا في وجوههم التراب , وخرج من بينهم سليماَ معافى .
وهذه سنة ماضية , فمن حفظ الله حفظه الله , وأعظم ما يحفظ به أن يحفظ في دينه , وهذا الحفظ شامل لحفظ البدن , وليس بالضرورة أن يعصم الإنسان , فلا يخلص إليه البتة , فقد يصاب لترفع درجاته , وتقال عثراته , ولكن الشأن كل الشأن في حفظ الدين والدعوة .
• أن النصر مع الصبر :
فقد كان هيناً على الله عز وجل أن يصرف الأذى عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة , ولكنها سنة الابتلاء يؤخذ بها النبي الأكرم , ليستبين صبره , ويعظم عند الله أجره , وليعلم دعاة الإصلاح كيف يقتحمون الشدائد , ويصبرون على ما يلاقون من الأذى صغيراً كان أم كبيراً .
• الحاجة إلى الحلم , وملاقاة الإساءة بالإحسان :
فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقي في مكة قبل الهجرة من الطغاة والطغام أذى كثيراً , فيضرب عنها صفحاً أو عفواً , ولما عاد إلى مكة فاتحاً ظافراً عفا وصفح عمن أذاه .
• استبانة أثر الإيمان :
حيث رفع المسلمون رؤوسهم به , وصبروا على ما واجهوه من الشدائد , فصارت مظاهر أولئك الطغاة حقيرة في نفوسهم .
• انتشار الإسلام وقوته :
وهذه من فوائد الهجرة فلقد كان الإسلام بمكة مغموراً بشخب الباطل , وكان أهل الحق في بلاء شديد , فجاءت الهجرة ورفعت صوت الحق على صخب  الباطل , وخلصت أهل الحق من ذلك الجائر , وأورثتهم حياة عزيزة ومقاماً كريماً .
• أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه :
فلما ترك المهاجرون ديارهم , وأهليهم , وأموالهم التي هي أحب شيء إليهم , لما تركوا ذلك كله لله , عوضهم الله بأن فتح عليهم الدنيا , وملكهم شرقها وغربها .
• قيام الحكومة الإسلامية والمجتمع المسلم .
• التنبيه على فضل المهاجرين والأنصار .
• ظهور مزية المدينة :
فالمدينة لم تكن معروفة قبل الإسلام بشيء من الفضل على غيرها من البلاد , وإنما أحرزت فضلها بهجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وأصحابه إليها , وبهجرة الوحي إلى ربوعها حتى أكمل الله الدين , وأتم النعمة , وبهذا ظهرت مزايا المدينة , وأفردت المصنفات لذكر فضائلها ومزاياها .
• سلامة التربية النبوية :
فقد دلت الهجرة على ذلك , فقد صار الصحابة مؤهلين للاستخلاف , وتحكيم شرع الله , والقيام بأمره , والجهاد في سبيله .
• التنبيه على عظم دور المرأة .
ويتجلى ذلك في الدور الذي قام به علي بن أبي طالب حين نام في فراش النبي ليلة الهجرة .
ويتجلى من خلال ما قام به عبد الله بن أبي بكر , حيث كان يستمع أخبار قريش , ويزود بها النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر .
• حصول الأخوة وذوبان العصبيات .
وهذه بعض الدروس والفوائد من الهجرة في سبيل الإجمال , وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
                                                                              الشيخ فادي الجبور
 
تصميم مركز الحاسوب - موقع الجامعة الأردنية